مرافئ الذكريات١٣ مارس ٢٠٢٦7 دقائق قراءة👁١١ مشاهدة

رجل الأعمال المزيف والهروب الكبير

في أيام الفراغ الوظيفي تقمصت دور المليونير العقاري أمام وفد خليجي — قصة طريفة من أولى حلقات مرافئ الذكريات.

أبدأ اليوم سلسلة "مرافئ الذكريات" لأدوّن فيها شيئاً من حصاد السنين ومواقف لا تُنسى من مسيرتي المهنية التي امتدت لأكثر من أربعة عقود تنقلت فيها بين أكثر من ثلاثين شركة ومؤسسة محلية وعالمية منذ الثمانينيات الميلادية. ولن أُقيّد نفسي بتسلسل زمني بل سأترك لذاكرتي حرية التنقل بين المحطات لأقطف من كل بستان زهرة ومن كل محطة موقفاً طريفاً أو درساً قيماً.

في مسيرتي الطويلة كنت كغيري أمر بفترات انتقالية بين وظيفة وأخرى أو ما نسميه "الفراغ الوظيفي" وفي تلك الأيام كانت الأوقات تمضي ثقيلة بين الجلوس في المنزل والتجول بالسيارة بلا وجهة محددة. في إحدى تلك الفترات تواصل معي زميل عزيز ليخبرني عن وسيط من إحدى الدول العربية مهمته الترتيب للقاءات مع عينات عشوائية من المجتمع لاستطلاع آرائهم حول منتجات الشركات الكبرى قبل دخولها السوق السعودي. كان هذا الوسيط يرتب لي ولعدد من الشباب وكبار السن مواعيد أسبوعية مع شركات مختلفة وما جعلني أنتظم في الحضور خاصة في فترات الفراغ هو ما يعقب تلك اللقاءات من كرم ضيافة إذ كانت تتخللها بوفيهات مفتوحة وفي نهايتها نُمنح هدايا قيمة كالعطور الفاخرة مما جعلها فرصة لا تُفوَّت لشغل الوقت بشيء ممتع ومفيد. أذكر مرة أن إحدى الشركات أرادت طرح نوع جديد من التبغ فجمعونا نحو أحد عشر شخصاً من فئات عمرية متباينة لأخذ آرائنا ورغم أنني لا أدخن كنت أبدي رأيي بصدق وتجرد مدركاً أن إجاباتنا قد تكون الفيصل في قرار الشركة بدخول السوق أو الإحجام عنه.

وذات يوم في وقت الضحى اتصل بي الوسيط بصوت يملؤه التوتر وقال "أستاذ غازي أحتاجك ضروري الآن هل أنت متفرغ؟" فأجبته "خيراً يا رجل ماذا هناك؟" قال "هناك وفد من إحدى الدول الخليجية جاؤوا لدراسة السوق السعودي ويريدون مقابلة رجل أعمال خبير في العقارات يمتلك شركات وملايين. اتفقت مع رجل أعمال حقيقي لكنه اعتذر في اللحظة الأخيرة فتذكرتك. أرجوك ارتدِ أفضل ما لديك وتقمص شخصية المليونير العقاري وتعال فوراً إلى فندق البلاد على كورنيش جدة."

ضحكت في سري فأنا في ذلك الوقت لم أكن أملك حتى ثمن وقود سيارتي لكنني وافقت. ارتديت أفخر ثيابي وتأنقت بما يليق برجل أعمال سعودي وانطلقت إلى الفندق. بمجرد وصولي إلى البهو سألت عن الوفد فوجدت شابين أنيقين يرتديان الزي المعروف لتلك الدولة الخليجية فرحبا بي بحفاوة وعرضا عليّ القهوة فتقمصت الدور فوراً وقلت بنبرة المشغول "أنا وقتي ضيق جداً يمكنني أن أمنحكم ربع ساعة فقط." تفاجآ وقالا "ربع ساعة لا تكفي لقد اتفقنا على ساعة كاملة." ألقيت باللائمة على الوسيط الذي "لم يخبرني بالحقيقة" ووافقت على البدء.

دخلنا قاعة الاجتماعات وبدأت الأسئلة تنهال عليّ حول العقارات وأسعار الأراضي في جدة والأبراج والمشاريع المستقبلية. ولحسن حظي كنت قد عملت سابقاً في شركتين عقاريتين فكانت لديّ خلفية لا بأس بها مكنتني من تقديم إجابات مقنعة أو على الأقل قريبة من الواقع وكنت أؤدي دور المليونير ببراعة أعتقد أنهم لم يملكوا إلا أن يصدقوني. لكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن! فجأة انتقل الحديث من جدة إلى مكة المكرمة. وأردت الهروب من أسئلة قد تكشف جهلي ببعض التفاصيل الدقيقة فقلت بثقة مبالغ فيها "مكة هي ملعبي أنا مقيم فيها أساساً رغم تواجدي الحالي في جدة." ابتلعوا الطعم وسألوني "كم يبلغ سعر المتر المربع في المنطقة المركزية حول الحرم المكي؟" هنا سقطت في الفخ. حسبت الأمر في رأسي سريعاً وقلت بثقة لا تقبل الشك "مئة ألف ريال نعم مئة ألف ريال للمتر الواحد." تبادل الشابان النظرات وبدا عليهما الاستغراب الشديد فاستأذنا وخرجا من الغرفة للتشاور.

في تلك اللحظة أدركت أنني ارتكبت خطأً فادحاً وأن إجابتي كانت خيالية بعيدة كل البعد عن الواقع. تورطت! فكرت في الهرب لكنهما كانا يقفان أمام باب الغرفة فسُدّت في وجهي كل المنافذ. حين عادا كانت ملامحهما متغيرة تماماً وأدركا أن هناك خطباً ما وأن هذا "المليونير" ليس سوى وهم. كان عليّ أن أتصرف بسرعة فتظاهرت بأن هاتفي يرن وأمسكت به قائلاً "ألو... نعم؟ الصوت غير واضح انتظر دقيقة سأخرج لأكلمك." التفت إليهما معتذراً "عذراً مكالمة هامة من الوالد سأرد عليه في الخارج وأعود فوراً." خرجت من الغرفة ولم ألتفت وراءي وركضت نحو سيارتي بأقصى سرعة ممكنة.

لكن المفاجأة كانت بانتظاري. يبدو أنهما شكّا في أمري وتبعاني ليتأكدا من هويتي وربما ليروا سيارة "رجل الأعمال المليونير" فوقفا على باب الفندق يراقبانني وأنا أتوجه نحو سيارتي القديمة المتهالكة المليئة بالصدمات والتي بالكاد تتحرك! ركبت سيارتي وانطلقت هارباً من المشهد تاركاً خلفي وفداً مصدوماً ووسيطاً في ورطة وذكرى لن تُمحى من ذاكرتي ما حييت.

وهكذا انتهت مغامرتي في عالم العقارات والملايين وعدت إلى واقعي البسيط أحمل معي قصة طريفة ستبقى محفورة في ذاكرتي أرويها لكم اليوم في أولى حلقات "مرافئ الذكريات."

**فائدة:** مهما كانت مهاراتنا في التظاهر أو تقمص الأدوار فإن الحقيقة دائماً ما تجد طريقها للظهور وغالباً في أكثر اللحظات حرجاً. الصدق والشفافية هما أقصر الطرق وأكثرها أماناً في التعامل مع الآخرين فالتظاهر بما لا نملك قد يضعنا في مواقف لا نُحسد عليها وقد يكلفنا أكثر مما كنا نتوقع.

مرافئ الذكريات ✍️ غازي حمدان الشاعر

✍️

غازي حمدان الشاعر

خبير في الموارد البشرية والإدارة بخبرة تمتد لأكثر من 40 عاماً. مؤلف ومستشار معتمد من وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية.

شارك هذه الخاطرة

التعليقات

شاركنا رأيك أو تعليقك على هذه الخاطرة (100 كلمة كحد أقصى)

0/100 كلمة

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!

خواطر ذات صلة