الاجتماع الأخير
لم أعرف أنه كان آخر اجتماع سنعقده معاً. كنت مشغولاً بجدول الأعمال، وكان هو يحدّثني عن ابنه.
كنتُ أظن أن السؤال سيأتي من زميل قديم. كنتُ مستعداً له — عندي إجابة جاهزة. لكن السؤال جاء من حيث لم أتوقع.
كنتُ أظن أن السؤال سيأتي من زميل قديم، أو من أحد المعارف في مجلس أو حفل. كنتُ مستعداً له — عندي إجابة جاهزة، مصاغة بعناية، تقول إنني "أستثمر وقتي في أشياء كنتُ أؤجّلها". إجابة تبدو حكيمة وهادئة ومطمئنة.
لكن السؤال جاء من حيث لم أتوقع.
جلست حفيدتي أمامي — عشر سنوات، عيناها فضوليتان كعيون كل الأطفال الذين لم يتعلموا بعد أن يتظاهروا بأنهم لا يريدون أن يعرفوا — ونظرت إليّ بجدية طفلة تسأل سؤالاً مهماً، وقالت: "جدو، ماذا تعمل؟"
توقفتُ.
الإجابة الجاهزة اختفت. لأن الطفل لا يريد إجابة مصاغة — يريد الحقيقة. ولأن عيني طفلة في العاشرة تخترقان كل ما تبنيه من كلمات مرتّبة.
قلتُ لها: "أكتب."
قال: "تكتب ماذا؟"
قلتُ: "أكتب ما عشتُه. قصصاً حدثت لي. أشياء تعلّمتُها."
نظرت إليّ لحظة، ثم قالت بجدية تامة: "مثل الكتب؟"
ابتسمتُ. "نعم، مثل الكتب."
فكّرت قليلاً، ثم قالت: "هل ستكتب عني؟"
ضحكتُ. وقلتُ: "ربما."
مشت بعدها لتلعب، ولم يعد تفكر في الأمر. لكنني بقيتُ جالساً أفكر. لأن سؤالها البسيط فعل ما لم تفعله كل الأسئلة الكبيرة جعلني أقول بصوت عالٍ، لأول مرة، من أنا الآن.
لستُ مديراً. لستُ مستشاراً. لستُ صاحب مسمى وظيفي ومكتب وصلاحيات. أنا إنسان يكتب. يحكي. يُوثّق ما مرّ به لعلّه يُضيء طريق من يأتي بعده.
وهذا — كما اكتشفتُ في ذلك اليوم — يكفي.
غازي حمدان الشاعر
خبير في الموارد البشرية والإدارة بخبرة تمتد لأكثر من 40 عاماً. مؤلف ومستشار معتمد من وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية.
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!
لم أعرف أنه كان آخر اجتماع سنعقده معاً. كنت مشغولاً بجدول الأعمال، وكان هو يحدّثني عن ابنه.
في أوّل يوم بعد التقاعد، استيقظتُ على صمتٍ لم أعرفه من قبل. لم يكن صمتاً عادياً — كان صمتاً يقول لك بهدوء تام: لن يأتي أحد.
لأربعين عاماً، كانت الساعة السابعة والنصف تعني شيئاً واحداً: الوقت للاستيقاظ. في أول صباح بعد التقاعد، استيقظتُ في الساعة السابعة والنصف — ثم توقّف الذهن.